مفهوم الشعرية عند تودوروف
تم الإنشاء في: ٢٢ فبراير ٢٠٢٥
تم الإنشاء في: ٢٢ فبراير ٢٠٢٥
مفهوم الشعرية عند تودوروف
مقدمة
يُعَدّ تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov) واحدًا من أبرز الوجوه النقدية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد ترك بصمة واضحة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، خاصةً في إطار الحركة البنيوية. يُشير مصطلح "الشعرية" عند تودوروف إلى المنهج الذي يهدف إلى فهم الكيفية التي تُبنى بها الأعمال الأدبية، والقواعد أو المبادئ التي تحكم تكوينها ووظائفها؛ بغض النظر عن مدى جماليتها أو مضمونها الفلسفي أو الاجتماعي.
فيما يلي عرض لأهم ملامح مفهوم الشعرية عند تودوروف:
تتأسس شعرية تودوروف على رؤية علمية لدراسة الأدب، فهو يحاول أن يضع إطارًا منهجيًا يساعد على كشف البُنى الداخلية للنص الأدبي، كما يسعى إلى بيان القواعد المجردة التي تنتظم داخلها الأعمال الأدبية. وقد تأثّر تودوروف في ذلك بالاتجاهات البنيوية عامة، وبجهود النقاد الشكلانيين الروس على وجه الخصوص مثل رومان ياكوبسون وفيكتور شكلوفسكي.
دراسة البنى والقواعد:
يرى تودوروف أن الدراسة الأدبية يجب أن تنتقل من مستوى التأويل المباشر لموضوعات النص ودلالاته الأخلاقية أو الفكرية إلى مستوى أعمق يدرس بنيته الداخلية وآليات اشتغاله. لذلك فهو ينظر إلى النص بصفته نظامًا خاضعًا لجملة من القواعد والقوانين، يمكن تحديدها وتحليلها.
تمييزها عن التفسير (الهيرمينوطيقا):
يفرّق تودوروف بين الشعرية من جهة، والتأويل أو التحليل التفسيري (الهيرمينوطيقا) من جهة أخرى. فالشعرية تُعنى بكيفية اشتغال النص والبُنى التي تشكّله، بينما تركز الهيرمينوطيقا على استخراج المعاني وتأويلها. لذا فالشعرية عنده تختص بوضع نظرية حول الأدب عمومًا، وليس بتحليل نص بعينه فحسب.
اللغة بوصفها نظامًا:
تستفيد شعرية تودوروف من المنهج البنيوي الذي يركز على “اللغة” كنظام له قواعد ووظائف. وبما أن الأدب هو شكل من أشكال التعبير اللغوي، فمن المنطقي أن يدرس الناقد النص كما يدرس اللغوي بنية الجملة وقواعدها.
التقسيم بين “القصة” و”الخطاب”:
في تحليله للبنى السردية، يستلهم تودوروف من الشكلانيين الروس وبنية السرد كما حللها جيرار جينيت فيما بعد، حيث يُفرّق بين المادة الحكائية (القصة) وطريقة عرضها (الخطاب). وهذا التفريق يتيح له فهم البنية السردية على مستويات مختلفة؛ مستوى الأحداث والسرد، ومستوى الترتيب والتبئير، وغيرها.
الدور الوظيفي للعناصر السردية:
يراعي تودوروف أن كل عنصر داخل النص – كشخصية أو حدث أو عنصر لغوي – يؤدي وظيفة ضمن البناء الكلي. وهذا المبدأ مستوحًى من مبدأ “الوظيفة” في الدراسات الشكلانية (كما عند بروب Propp في تحليله للحكاية الشعبية)، حيث يُنظر إلى كل عنصر من عناصر النص بوصفه إسهامًا في تحقيق غاية أو وظيفة معينة.
استخلاص القواعد العامة:
لا يكتفي تودوروف بفهم نص أو مجموعة نصوص بذاتها، بل يسعى إلى استنباط منظومة القواعد الأدبية التي يمكن تطبيقها على مختلف الأعمال. فالشعرية عنده مشروع تأسيسي لنظرية عامة حول الأدب.
توضيح الأجناس الأدبية:
سعى تودوروف إلى دراسة الحدود بين الأجناس الأدبية كالشعر والرواية والقصة القصيرة، والوقوف عند أشكال التداخل بينها. من أعماله الشهيرة في هذا الصدد كتاب "مقدمة إلى الأدب العجائبي" (Introduction à la littérature fantastique)، الذي سعى فيه إلى ضبط مفهوم “العجائبي” (le fantastique) بوصفه جنسًا أدبيًا قائمًا على التردد بين التفسير العقلاني واللامعقول.
بناء منهج نقدي صارم:
أراد تودوروف أن يُرسِي أسسًا منهجية لدراسة النصوص الأدبية، مستفيدًا من إمكانيات التحليل البنيوي. وهو بهذا يؤكد أن النقد الأدبي بإمكانه أن يقترب من “العلمية” من خلال وصف أنظمة النص وعلاقاتها الداخلية.
التحليل السردي:
اهتم تودوروف بتحليل الأشكال السردية، فرأى أن الرواية تتكون من مستويات عديدة (مستوى الأحداث، الشخصيات، البناء الزمني، منظورات السرد…) يتفاعل بعضها مع بعض عبر علاقات دقيقة يمكن تبيّنها عبر منهج الشعرية.
مفهوم “التناص”:
تأثر تودوروف بمفاهيم الحداثة النقدية، لا سيما مع باختين وغيره، وهو ما يظهر في دراسته للكيفية التي تتداخل فيها النصوص وتتفاعل. صحيحٌ أنّ التناص مفهوم برز بقوة لدى جوليا كريستيفا، لكنه يعد امتدادًا طبيعيًا لتوجهات البنيوية تجاه دراسة العلاقات بين النصوص.
المقارنة بين الأجناس والمذاهب:
اعتمادًا على الشعرية، يمكن لتودوروف أن يقارن بين نصوص مختلفة تنتمي لأجناس أدبية أو عصور تاريخية متنوعة، ولكنها تكشف في الوقت نفسه عن بُنى مشتركة. فالشعرية تُعنى أساسًا بوصف القواعد والأبنية، وهو وصف يشمل أي عمل أدبي مهما كان زمن إنتاجه أو لغته.
إغفال البعد الاجتماعي والتاريخي:
يرى البعض أن التركيز المفرط على البنى الداخلية قد يُهمّش السياق الاجتماعي والتاريخي الذي يُنتج العمل الأدبي ويتأثر به.
المحدودية في معالجة الدلالات:
رغم أن تودوروف حاول التمييز بين البحث في البنية والبحث في الدلالة، إلّا أن هناك من يجادل بأن أي تحليل بنيوي لا يمكنه تجاهل المعنى تمامًا، وأن القواعد لا تفسر كل شيء.
الدعوى بالعلمية:
تعرض تودوروف لنقدٍ حول مدى إمكانية تحويل النقد الأدبي إلى علمٍ صارم تحكمه قوانين ثابـتة، وأن مثل هذا النزوع قد يجرد الأدب من عفويته وخصوصياته.
باختصار، يمثّل مفهوم الشعرية عند تزفيتان تودوروف مسعىً لتأسيس علم أدبي يهتم بالبحث في البنى الداخلية للأعمال الأدبية والقواعد التي تحكمها، في محاولة للكشف عن النظام الذي تستند إليه عملية الإبداع، بعيدًا عن التفسيرات التأويلية والقراءات المنغلقة على المعنى. وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجّهت إلى هذا التوجه البنيوي، لا تزال إنجازات تودوروف في مجال السرديات وتحليل الأجناس الأدبية تساهم في تطوير الأدوات النقدية، وتفتح آفاقًا لفهم أعمق للأدب بوصفه ميدانًا يستحق دراسة منتظمة ومنهجية تضيء آليات تشكّله واشتغاله.